أبو علي سينا

31

القانون في الطب ( طبع بيروت )

ومن الناس من يضع على الصدر وجوانبه خرقة كتان مغموسة في طير أحمر مداف في الماء ، ويتفقد الموضع الذي يجفّ أولًا ، فهو موضع القيح . وأما علامات الانفجار السليم ، فأن يكون الانفجار يعقبه سكون الحمى ، ونهوض الشهوة ، وسهولة النفث ، والتنفس ، أو تحدث معه خراجات في الجنب ، أو نواحيها تصير نواصير ، وكذلك الذي يكون منهم أو يبط ، فتخرج منه مدة نقية بيضاء . وأما علامات الرديء ، فأن تظهر علامات الاختناق والغشي ، أو النفث الرديء ، أو السل . وإذا كوي أو بط خرجت منه مدة حميّة منتنة . وأما العلامات المفرّقة بين المدة وبين البلغم في النفث ، فهي رسوب مدة النفث في الماء ، وإنتانها على النار ، والبلغم طاف في الماء غير منتن على النار ، على أن المدة قد تنفث في غير السل على ما بيناه في موضع متقدّم . وقد ينفث المتقيح شيئاً كثيراً جداً ، وقد رأيت من نفث في ساعة واحدة قريباً من منوين بالصغير ، أو مناً وأكثر من نصف ، وجالينوس شهد بأنه ربما قذف المتقيح كل يوم قريباً من خمسين أوقية ، وهو قريب من تسع قوطولات . وقد عرفت الفرق بين المدة وبين الرطوبات الأخرى ، فإن المدة تتميز بالنتن عند النفث ، وعند الإلقاء على النار ، وترسب ولا تطفو . وأما علامات انتقال التقيح إلى السل ، فكمودة اللون وامتداد الجبين والعنق ، وتسخّن الأصابع كلها سخونة لا تفارق حتى فيمن عادة أطرافه أن تبرد في الحميات ، وحمى تزيد ليلًا بسبب الغذاء ، وتعقف من الأظفار لذوبان اللحم تحتها ، وتدسّم من العينين مع ضرب من البياض والصفرة ، وعلامات أخرى سنذكرها في باب السلّ . فصل في قروح الرئة والصدر ومنها السل هذه القروح ، إما أن تكون في الصدر ، وإما أن تكون في الحجاب ، وإما أن تكون في الرئة ، وهذا القسم الأخير هو السل ، وإما أن تكون في القصبة ، وقد ذكرناها . وأسلم هذه القروح قروح الصدر ، وذلك لأن عروق الصدر أصغر ، وأجزاؤه أصلب ، فلا يعظم فيها الشر ، ولأن الصديد لا يبقى فيها ، بل يسيل إلى فضاء الصدر ، وليس كذلك حال الرئة ، ولأن حركته غير قوية محسوسة كحركة الرئة ، بل يكاد أن يكون ساكناً لأنه لحمي ، واللحمي أقبل للالتحام . وكثيراً ما يعرض لقروح الصدر الكائنة عن خراجات متعفنة أن تفسد العظام حتى يحتاج إلى قطع العفن فيها ليسلم ما يجاوره ، وربما تعدى العفن إلى الأجزاء العصبية ، فلا يلتحم وإما أن يقع في الأجزاء اللحمية ، فيلتحم أن تدورك في الابتداء ، ولم يترك أن يرم . وأما إذا تورمت ، أو أزمنت ، فلا تبرأ . وأما قروح الرئة ، فقد اختلفت الأطباء في أنها تبرأ أو لا تبرأ ، فقال قوم : إنها لا تبرأ البتّة لأن الالتحام يفتقر إلى السكون ، ولا سكون هناك .